ابراهيم بن عمر البقاعي
237
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كما قال الحسن رحمه اللّه : إنما الفقيه العامل بعلمه . وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] لما دل عليه سياقها وسباقها ، والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه لا يعتقد أنه أتقى ، قال الرازي في اللوامع : أكرم الكرم التقوى ، وهو مجمع الفضائل الإنسانية ، وألأم اللؤم الفجور ، وذلك أن الكرم اسم للأفعال المحمودة ، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم ، وقصد بها اللّه ، وهذا هو التقوى ، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة - انتهى . وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير صاحبها بشريا ملكيا . ولما كان هذا مركوزا في طبائعهم مغروزا في جبلاتهم متوارثا عندهم أن الفخر إنما هو بالأنساب ، وأن الكريم إنما هو من طاب أصله ، وكان قلع ذلك من نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد ، أكد سبحانه معللا قوله لإخباره بالأكرم : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط علما وقدرة عَلِيمٌ أي بالغ العلم بالظواهر خَبِيرٌ * محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضا ، روى البغوي بسند من طريق عبد اللّه بن حميد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه ، فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ، ثم قام فخطبهم ثم حمد اللّه وأثنى عليه وقال : « الحمد للّه الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها ، إنما الناس رجلان : برّ تقي كريم على اللّه ، وفاجر شقي هين على اللّه - ثم تلا « يا أَيُّهَا النَّاسُ » الآية ، ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم » وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي - قال المنذري ، بإسناد حسن ، واللفظ له - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال قال : « إن اللّه عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس بنو آدم وآدم من تراب ، مؤمن تقي وفاجر شقي ، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على اللّه من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها » « 1 » . ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وإعظامه ، ونهى عن أذاه في نفسه أو في أمته ، ونهى عن التفاخر الذي هو سبب التقاطع والتداحر ، وختم بصفة الخبر ، دل عليها بقوله مشيرا إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال : قالَتِ الْأَعْرابُ أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة محمد ، وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم ،
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود 116 وأحمد 8519 و 10402 من حديث أبي هريرة وإسناده حسن . - وأخرجه الترمذي 3270 من حديث ابن عمر وقال : حديث غريب عبد اللّه بن جعفر يضعف ا ه وهو صالح للمتابعة .